محمد راغب الطباخ الحلبي

252

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وبقي على هذه الحال في بلدة آبائه مرعش إلى أوائل القرن الثالث عشر حيث هاجر منها إلى حلب . وسبب هجرته أنه كان في مدينة مرعش فرقتان من السكان تتنازعان السيادة فيها شأن ذلك الزمن ، وهما عائلة البيازيدية ( نسبة لبيازيد بلدة من معاملات أرزن الروم ) وعائلة ( الدلغادرية ) وهي من نسل الدولة الدلغادرية التي كانت مستولية قبلا على مرعش إلى أن استولت عليها الدولة العثمانية وأخذتها منهم ، وكان بين العائلتين تنافس وضغائن كثيرا ما كانت تؤدي إلى القتال وإهراق الدماء ، وكان الشيخ ميالا للفرقة الأولى ، وحيث إنه كان مفتي البلدة معظما ومحترما عند الدولة العثمانية ورجال حكومتها وله الكلمة المسموعة لديهم وكلمته لا ترد عندهم ، فكانت فرقته متفوقة على الفرقة الثانية ، فعزم بعض الجهال من هذه الفرقة على قتله ، واختفوا ليلا أمام داره ، وبينما كان عائدا من صلاة العشاء مع بعض طلبته أطلق أحدهم رصاصة أصابت يد الشيخ ، فخر الشيخ مغشيا عليه ، فظن الطالب الذي كان مرافقا له أنه قد قتل ، فعاد إلى الجامع وصعد إلى منارتها ونادى بأعلى صوته إن الشيخ قد قتل ، واستنفر فرقته ، فخرجت الفرقتان بأسلحتهما واقتتلتا حتى سقط من الطرفين سبعة عشر قتيلا ما عدا الجرحى ، فلما بلغ المترجم الخبر قال : لا أسكن بلدة أكون سببا لوقوع القتلى فيها . وركب من ساعته وخرج مع بعض أشياعه قاصدا حلب ، فوافاها سنة 1210 تقريبا . ولما وصلها نزل في المدرسة العثمانية ، ثم حل ضيفا على مدرسها الشيخ حسن الكلزي ، وبعد أن تعارفا وعلم كل واحد منهم قدر صاحبه وعلمه وفضله قر رأي المترجم على البقاء في حلب واتخاذها وطنا ، وقد كان في بادىء الأمر عازما على الذهاب إلى الشام والإقامة فيها كي لا يرى أحدا ولا يراه أحد ممن يعرفه ويشغله على عبادة ربه والعزلة عن الناس ، فأصر عليه الشيخ حسن بالبقاء في حلب وزوجه ابنته ، وكان للمترجم ابنة في مرعش فأحضرها وزوجها لابن المترجم عبد الرحمن أفندي ، وبقي بعد ذلك في حلب إلى أن توفي فيها . وكان رحمه اللّه مثابرا على خطته وسيرته الأولى وهي الانقطاع إلى اللّه بالعبادة والزهد والتقوى ، لا تشغله الدنيا عن الآخرة ، ولا يرى عملا يؤديه إلى رضاء اللّه إلا عمله ، فمن ذلك أن الدولة الإفرنسية لما احتلت مصر وذلك سنة 1212 وعزمت الدولة العثمانية على إخراجها منها وصارت ترسل الجيوش من البلاد ، فكان المترجم في مقدمة الذاهبين مع العساكر إليها وجاهد ثمة مع من جاهد ، إلى أن أذن اللّه بالفتح ورجوعها إلى حوزة